الجاحظ
3
الحيوان
الجزء الثالث بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * باب ذكر الحمام وما أودعها اللّه عزّ وجلّ من ضروب المعرفة ، ومن الخصال المحمودة ، لتعرف بذلك حكمة الصّانع ، وإتقان صنع المدبّر . 557 [ استنشاط القارئ ببعض الهزل ] وإن كنّا قد أمللناك بالجدّ وبالاحتجاجات الصحيحة والمروّجة ؛ لتكثّر الخواطر ، وتشحذ العقول - فإنّا سننشّطك ببعض البطالات ، وبذكر العلل الظّريفة ، والاحتجاجات الغريبة ؛ فربّ شعر يبلغ بفرط غباوة صاحبه من السرور والضحك والاستطراف ، ما لا يبلغه حشد أحرّ النوادر ، وأجمع المعاني . وأنا أستظرف أمرين استظرافا شديدا : أحدهما استماع حديث الأعراب . والأمر الآخر احتجاج متنازعين في الكلام ، وهما لا يحسنان منه شيئا ؛ فإنّهما يثيران من غريب الطّيب ما يضحك كلّ ثكلان وإن تشدّد ، وكلّ غضبان وإن أحرقه لهيب الغضب . ولو أنّ ذلك لا يحلّ لكان في باب اللّهو والضّحك والسّرور والبطالة والتشاغل ، ما يجوز في كلّ فنّ . وسنذكر من هذا الشكل عللا ، ونورد عليك من احتجاجات الأغبياء حججا . فإن كنت ممّن يستعمل الملالة ، وتعجل إليه السآمة ، كان هذا الباب تنشيطا لقلبك ، وجماما لقوّتك . ولنبتدئ النّظر في باب الحمام وقد ذهب عنك الكلال وحدث النشاط . وإن كنت صاحب علم وجدّ ، وكنت ممرّنا موقّحا ، وكنت إلف تفكير وتنقير ، ودراسة كتب ، وحلف تبيّن ، وكان ذلك عادة لك لم يضرك مكانه من الكتاب ، وتخطّيه إلى ما هو أولى بك . 558 - [ ضرورة التنويع في التأليف ] وعلى أنّي قد عزمت - واللّه الموفّق - أنّي أوشح هذا الكتاب وأفصّل أبوابه ،